حين سُئلت ساتشيكو

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 9 أغسطس 2015 - 1:46 مساءً
حين سُئلت ساتشيكو

حين سُئلت ساتشيكو أية زهرة تحبها أكثر من غيرها؟ لم تتردّد في الإجابة: زهرة الكرز.

لمئات السنين، منذ أقدم المجموعات الشعرية، كانت هناك قصائد عن أزهار الكرز. وطيلة هذه السنين، انتظر القدماء أزهار الكرز، وشعروا بالأسى حين كانت تتناثر، وندبوا انقضاء أوانها بقصائد لا تحصى.

كم بدت هذه القصائد عادية جداً حين قرأتها وهي صبية، ولكنها تعرف الآن إلى الحد الذي يمكن أن تبلغه معرفة الإنسان، أن الأسى الذي يبعثه تساقط أزهار الكرز كان أكثر من مجرّد نزوة عابرة أو عادة من العادات.

منذ بضع سنوات اعتادت العائلة، ساتشيكو وزوجها وابنتهما وأختاها الصغيرتان، على الذهاب إلى كيوتو في الربيع لرؤية أزهار الكرز، وأصبحت هذه الرحلة طقساً سنوياً ثابتاً. أحياناً، يغيب “تينو سوكي” أو “اتسيكو” عن الرحلة، الأول بسبب العمل والثانية بسبب المدرسة، ولكن الأخوات الثلاث على الأقل كن دائماً معاً. وكان هناك، بالنسبة إلى ساتشيكو، إلى جانب أسى أزهار الكرز الممتع، أسى على أختيها وشبابهما العابر.

وعدة مرات تساءلتْ في كل رحلة عمّ إذا كانت هذه الرحلة ستكون الأخيرة لها مع يوكيكو على الأقل. وبدا أن أختيها تشعران بالعاطفة نفسها؛ هما غير مغرمتين مثل ساشيكو بأزهار الكرز، إلا أنهما ظلتا دائماً تبتهجان بالرحلة الممتعة.

قبل زمن طويل، في زمن مهرجان الربيع في “نارا” في أوائل شهر مارس، بدأوا ينتظرون الموسم، ويخططون لما سيرتدون من ملابس. ومع اقتراب الموسم، تنتشر تقارير وأنباء عن الموعد المحتمل لتكون أزهار أشجار الكرز في كامل تفتحها. ويكون عليهم أن ينطلقوا مع بداية عطلة نهاية الأسبوع، لأنه موعد ملائم لتينوسوكي واتسيكو. ويصيبهم جميعاً قلق القدماء حول أحوال الطقس، ذلك القلق الذي بدا ذات يوم لساشيكو كما لو كان مجرد تقليد. ويتزايد قلقهم على أزهار الكرز مع هبة نسيم وزخة مطر.

حول بيت آشيا، كانت هناك أشجار كرز كافية، وكانت تشاهد أشجار كرز من نافذة القطار الذاهب إلى أوساكا، ولا توجد حاجة للذهاب إلى كيوتو وقطع كل هذه المسافة، إلا أن لدى ساشيكو أفكار ثابتة حول ما هو الأفضل. حين يتعلق الأمر بأسماك البحر، بدا أن سمك آكاشي هو الذي يستحق أن يؤكل، وشعرت أنه لن يتسنى لها رؤية أزهار الكرز أبداً إن لم تذهب إلى كيوتو.

قبل سنة تمرّد تينوسوكي، وأخذهم بدلاً من ذلك إلى جسر قماش البريكيد، ولكن ساشيكو ظلت قلقة بعد هذه الرحلة كما لو أنها نسيت شيئاً ما، واشتكت من أن الربيع لم يكن مشعوراً به كربيع. وفي نهاية المطاف أخذت تينوسوكي إلى كيوتو في وقت ازدهار أشجار الكرز في أمورو.

كان الإجراء المتبع سنوياً ثابتاً:

وصلوا إلى “كيوتو” ظهر يوم السبت، وتناولوا طعام العشاء مبكراً في مطعم “غورو. وبعد رقصات الربيع التي لا يضيعون فرصة رؤيتها أبداً، شاهدوا أزهار كرز “جاون” في ضوء القناديل. ثم ذهبوا، صباح يوم الأحد، إلى الضواحي الغربية. وعادوا، بعد تناول الغداء في “تل العاصفة” بجوار النهر، إلى المدينة في الموعد المحدد لرؤية أزهار الكرز المنتحبة في ضريح “هيان”. وبهذا، سواء ظل تينوسوكي وساشيكو مع نفسيهما أم لا، تكون الرحلة الممتعة قد انتهت.

أزهار الكرز في ضريح “هيان” كانت تُترك إلى آخر الوقت لأنها كانت، دون كل أزهار الكرز في “كيوتو”، الأجمل. وحين يبدأ موسم أشجار الكرز المنتحب العظيم في “جاون” بالاحتضار، وتصيب أزهاره الشحوب في كل سنة، ما الذي يبقى من ربيع ” كيوتو” لولا أزهار الكرز في ضريح “هيان”؟

وهكذا، وهم عائدون من الضواحي الغربية ظهر اليوم الثاني ملتقطين لحظة الحسرة تلك حين تكون شمس الربيع على وشك المغيب، يتوقفون وقتاً قصيراً متعبين إلى حد ما تحت الأغصان المتدلية، وينظرون نظرة والهين إلى كل شجرة حول البحيرة، بالقرب من جسر، بالقرب من معطف في الممر، تحت أفاريز المعرض.

وإلى أن تعود أزهار الكرز في السنة التالية، يمكنهم أن يغمضوا أعينهم ويشاهدوا مرة أخرى خط ولون غصن يتدلى.

مقطع من رواية “الأخوات ماكيوكا”
ترجمة: محمد الأسعد

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات