هل تشتعل ثورة الجياع المتوقعة؟

wait... مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 17 يناير 2018 - 9:08 مساءً
هل تشتعل ثورة الجياع المتوقعة؟

هـل تشتعـل ثـورة الجـياع المتوقعة؟

 

مصعب المشرّف

17 يناير 2018م

كما كان متوقعاً …. فما كان لزيادة أسعار رغيف الخبز لتمر مرور الكرام هذه المرّة .. وحيث كانت الدولة ولا تزال ، لا ترغب في سماع النصائح بأن تلتفت إلى مدى أهمية رغيف الخبز الإستراتيجية في المدن الكبرى والصغرى خاصة… ولكونه قد أصبح الأساس في كافة الوجبات . ولا مجال للتقليل منه ناهيك عن الإستغناء عنه … وعلى هذا الواقع نصح الناصحون أن تتجنب الحكومة المساس بأسعاره أوزانه ووفرته.

 

في العقود الماضية . قبل تفشي ثورة المعلوماتية . كان بإمكان الأجهزة الإعلامية الرسمية وغيرها تسلية الشعب بمزاعم عن إرتفاع أسعار القمح والدقيق في الخارج .

ولكن اليوم أصبح الوضع مختلفاً . فقد إمتلأت وسائل التواصل الإجتماعي طوال الأيام الماضية بتقارير غاية في الدقة والموضوعية ؛ وبالتفصيل الممل عن أسعار القمح في البورصات العالمية …. وتكلفة ترحيله حتى وصوله للمخازن داخل البلاد ….. وبما إتضح للمواطن العادي أن أسعار القمح الروسي والتركي على سبيل المثال تبلغ أقل بنسبة 50% من الأسعار التي أوردتها وإعتمدتها الدولة في تقديرها وتبريرها إرتفاع أسعار سلعة القمح واصل مخازن المطاحن في البلاد.

 

وحتما لا يجد المواطن العادي مبرراً لمنع الحكومة للتجار كافة من إستيراد دقيق القمح . وفتح الأسواق أمام هؤلاء التجار كي يتنافسوا فيما بينهم من جهة ، ومع المطاحن المحتكرة لإستيراد القمح من جهة أخرى.

 

إحتكار إستيراد القمح في أسماء وأيدي قليلة بعينها يثير الشبهات .. ويتعارض مع شعارات المشروع الحضاري (الإسلامية) التي لا تزال الدولة ترفعها في مناسبة وغير مناسبة … فالإحتكار في الإسلام غير مشروع . ولما يؤدي إليه من عواقب وخيمة ليس أقلها أنه يمنح اللصوص والجشعين والفاسدين والمفسدين الفرصة السانحة للتكسب الغير مشروع… ولا ندري ما أسباب هذا الإنحياز والتمييز والإحتكار ؟ … هل هي مطاحن دقيق أم مصانع سلاح؟

 

على الدولة إذن أن تدرك أن ندرة وغلاء رغيف الخبز في العاصمة والمدن الكبرى والصغرى عامة سيخلق جيوشاً من الجياع … والجوع كافر .. ولن يهتم الجائع بما إذا كان الذي يقف أمامه يحمل خيزرانة أو بندقية ….. فما بعد الجوع حافز ولا واعظ .. لا بل ولا ديانة.

ولا غرو إذن أن لاحظ الجميع أن لا حديث للناس من الزيادات الأخيرة في الأسعار أكثر من الحديث عن زيادة سعر رغيف الخبز بالذات وعلى وجه الخصوص .. ولا جدال أن رغيف الخبز بأسعاره الأحيرة قد جعل الحياة مستحيلة بالنسبة للموظف والعامل الذي يتقاضى راتباً شهريا ثابتاً… كما أنه قد شكل مدخلاً ومبرراً لكافة أصحاب المهن الحرة والتجار والصناع والزراع كي يزيدوا من أسعار خدماتهم والسلع والمنتجات.

 

تظاهرة يوم الثلاثاء 16 يناير 2018م التي نظمها حزب سياسي وشاركت معه أحزاب سياسية أخرى . سيسجل التاريخ أنها حقيقة أول ثورة جياع يشهدها السودان منذ عهد الخليفة عبد الله تور شين خلال مجاعة سنة 1306 هجرية . والتي عرفت بمسمى مجاعة سنة ستة.

 

إذا فرضنا جدلاً (أقول جدلاً) صحة مقالة البعض في الصحافة الورقية ؛ بأن هذا الحزب الذي نظم وتبنى هذه المظاهرة لا تملأ عضويته بص حمولة 45 راكب جالس واقف … .. فإن مشاركة الآلاف من أبناء الشعب في هذه المظاهرة يعطي مؤشرات خطيرة بأنها بالفعل أنها قد نجحت وأنها مظاهرة جياع ….. وإرهاصات قد تكون مقدمة لثورة جياع تتصاعد خلال الأيام المقبلة.

وآيات نجاح هذه المظاهرة ليست فقط أن أعداد المشاركون فيها قد تجاوز حملة البص بآلاف ….. وإنما هو كسرها لحاجز الخوف ….. وأنها قد تكون القطرة التي تسبق المطر وتجري بها السيول.

 

الشعارات الثلاث التي رددها المتظاهرون كانت تصب أيضا في خانة الجوع وهي تتعلق بالغلاء وزيادة أسعار الخبز .. وثالثة الأثافي جاءت أكثر من كوميديا سوداء ؛ حين ردد المتظاهرون بكل ما يثير الحزن والأسى “لمتين لمتين حنعيش بالدين”؟

ولعنا نستدعي هنا أن الثورة الفرنسية لم تشتعل . ولم يخرج الشعب لحصار قصر فرساي إلا على إيقاع ندرة وغلاء رغيف الخبز.

 

رغيف الخبز وحده هو الذي يملأ البطن ويسكن سعار الجوع وسط أبناء المدن . لاسيما وأنه قد أصبح خيارهم الوحيد لتناول طعامهم …

ولعلنا هنا نستدعي واقع أنه حين إرتفع ثمن طلب الفول إستعاض عنه الناس بماء الفول وابتكروا وجبة البوش.. وحين إرتفع سعر اللحوم إستعاض الناس عنها بالماجي وأكلوها مع الرغيف … وحين إرتفعت أسعار بعض الخضروات إستعاض الناس عنها بتقليل كميتها في الدمعة وأكلوها بالرغيف غموساً أو فـتــة … ووووو هكذا .. مشى الحـال ….. ونجد دائماً أن الناس وطوال سنوات ما بين عام 1975م حتى تاريخه قد عدّلوا عاداتهم وقللوا من طموحاتهم . وتواءموا مع الأوضاع الإقتصادية طالما ظل الحصول على رغيف الخبز ممكناً. 

 

وليس هناك من مجال للعودة بعادات وتقاليد وإمكانات وإستعدادات هؤلاء لجهة الأكل والشرب إلى الوراء. فنقترح عليهم أكل الكسرة .. الكسرة التي أصبحت اليوم طعام الأثرياء ..

 

الأصوات التي تنطلق من هنا وهناك تطالب بالعودة إلى صناعة الكسرة داخل البيوت في المدن . وبما يجعل من رغيف الخبز مجرد “ضيف شرف” في صينية الغداء أن لم يكن الإفطار والعشاء معاً … هذه الأصوات التي تحمل هذه المقترحات ربما لا تصب إلا في خانة النكات السمجة … لا بل وأكثر سماجة وسذاجة من مقترح ماري أنطوانيت في مواجهة جوعى باريس.

 

تغيرت تصميمات البيوت وهدم الناس التكُل وكسروا الدوكة ، ورمت النساء بالخمّار والطايوق … ولم يعد هناك حطب ولا فحم … الغاز غالي والكهرباء بندرة الماء في صحاري العرب  ….. وما عادت القرقـريبة قـريبة إلاً  في أغاني الفولكلور وعلى لسان فرقة عقد الجلاد.

 

على متخذ القرار بشأن المساس بوفرة ورخص أسعار رغيف الخبز إذن أن يدرك أنه وإن كانت كافة الخيارات مفتوحة أمام زيادة الأسعار . فإن وفرة وسعر رغيف الخبز يجب أن يظلان خطاً أحمر لا يمكن المساس به في كافة الأحوال .. وأنه السبيل الوحيد لتفادي ثورات شعبية ترفع شعارات الجوع أولاً ، ثم تتحول مطالبها إلى سياسية وتغيير النظام الحاكم الذي فشل في الوفاء بأدنى متطلباتها المتمثلة في رغيف الخبز….  

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.