ماذا يريد اللهُ منا في شهر التغيير

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 4 يوليو 2015 - 12:18 مساءً
ماذا يريد اللهُ منا في شهر التغيير

هل تدبرت أيُّها القارئ الكريم وأيتها القارئة الكريمة وتفكرتما مليّاً في دلالة معاني آياتٍ ثلاث وردت في سورة النساء الجزء السادس في القرآن الكريم من كتاب ربنا العزيز؟ أدعوك أن تتدبر وتتفكر في هذه الآيات الثلاث، سوف تكتشف سراً عظيماً، وتدرك بعداً عجيباً لسنة التغيير في دلالة هذه الآيات التي بدأت كلها «بمفردة» «يريد»، عُد وانظر إليها مرة أخرى لترى هذه الحقيقة، وسر جمال هذا التوظيف اللغوي والدلالي العجيب.
الآيات الثلاث من سورة النساء، وهن الآية السادسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والثامنة والعشرون حيث يقول الحق عز وجل فيهن «يُريدُ اللهُ لُيبيّن، لكم ويهديكم سُنن الذين من قبلكم والله عليمُ حكيم» «26» واللهُ يُريدُ أن يتوب علكيم ويُريدُ الذين يتبعُون الشّهواتِ أن تميلوا ميلاً عظيماً»«27» يُريدُ اللهُ أن يُخفَفَ عنكم وخُلق الإنسانُ ضعيفاً» «28»
حين نتأمل في الصياغة اللغوية والدلالية نرى ان الآية الأولى منهن بدأت بجملة فعلية «يُريدُ اللهُ» فعلٌ وفاعلٌ، وبدأت الثانية منهن بجملة اسمية «والله ُ يُريدُ» مبتدأ وخبر، وبدأت الآية الثالثه منهن بجملة فعلية مثل الأولى «يُريدُ الله أن يخفف عنكم»، وفيهن الثلاث تحدث الله تعالى عن الإبانة والهداية والسنن الحضارية، وهي سنن مَن قبلنا من الأمم، وتحدث فيهن ـ أيضاً ـ عن التوبة والشهوات والرحمة التي دلت عليها جملة «أن يخفف عنكم»، وتتحدث الآيات عن حالة ضعف الإنسان.. وسر الإعجاز في الجمع بين هذه المفردات: الهداية، التوبة، الشهوات، الرحمة، ضعف الإنسان، ومن هنا تبدو أهمية أن نتدبر معاني آيات القرآن التي فيها العلاج والدواء والشفاء لأسقامنا البدنية والنفسية والاجتماعية والروحية.. نعم الروحية، لأن الروح التي يغذيها الدّين وفاضل الأخلاق وصالح العقيدة، تفسدها وتمرضها أمراض الشرك والكفر والبدعة والضلالة وسيئ الأخلاق والعادات، ويكون شفاؤها بالقرآن قراءة وتلاوة وتدبراً، فهذا السلوك يقود إلى الهداية والتوبة بواسطة الإبانة بعد توفيق الله تعالى وإذنه، والشهوات التي تصيب النفس حتى ترديها يبقى علاجها وشفاؤها قائماً في القرآن الكريم.. والقرآن الكريم كله حربٌ على الشهوات الضارة والمضرة، لما فيها من هلاك للإنسان وضياع، ولذلك منهج القرآن التعليمي والإرشادي والتوجهي من إحدى وسائله سوق القصص والمشاهد الواقعية التي حدثت في الأمم السابقة، وهي ما يمكن أن نسميها السنن الكونية أو السنن الحضارية للأمم.
ومن ملاحظاتي في هذه الآيات الثلاث آنفة الذكر أن الله تعالى تحدث عن إرادتين.. إرادته سبحانه وتعالى، وهي إرادة مطلقة.. «ليس كمثله شيءٌ هو السميعُ البصير» والآيات أكدت أن لله تعالى «إرادة» .. والله يريد وهو مريد وفعّال لما يُريدُ.. وإرادة أخرى جاءت مضافة إلى اتباع الشهوات.. ولذلك فيهن دعا الله المؤمنين أن ينساقوا نحو إرادة الله تعالى ويكفوا عن الإنسياق الأعمى نحو الشهوات، لأن مع إرادة الله تعالى تكون التوبة والهداية والإنابة إلى الله تعالى، ومع اتباع الشهوات تكون الهلكة والضلالة والندم.
حاولت وأنا أتدبر هذه الآيات اكتشاف صلتها بالصوم، فإذا بي أجد صلة قوية بين دعوة هذه الآيات، ودعوة الصوم الذي هو يدعو دائماً إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى بتأديب النفس وصونها بالصوم، الذي أصله يقرر كبت الشهوات.. شهوة البطن.. شهوة الفرج.. شهوة الانتصار للنفس بالباطل، فلا صخب ولا رفث ولا شتم ولا سب.. وشهوة الانتصار لعادات النفس المهلكة المفسدة لأصل النفس كتعاطي الخمر والمخدرات والسجائر والتمباك، وكل هذه المواد من الخبائث المحرمة في صحيح الشرع لثبوت ضررها وأذاها لبدن الإنسان وعقله.. ومن الأسف والحزن العميق أن نرى صفوفاً للناس قُبيل الإفطار أمام محلات التمباك والسجائر يشترون!! إنهم يفطرون على الخبائث والمحرمات في شهر الحلال والطيبات والتوبات.. هؤلاء ضعاف لا إرادة لهم، فهم يتبعون الشهوات، وتركوا اتباع إرادة الله نحو الخير.. إنهم ضحايا التخلف عن تدبر القرآن الكريم في شهر القرآن.. شهر الليلة المباركة.. ليلة القدر التي هي حلم الحياة كلها، ليلة واحدة خيرٌ من العيش في الدنيا أبد الدهر، ولا يكون الاستعداد لها وتحريها إلا بإتباع إرادة الله والانتهاء عن إرادة صغار الشيطان وإرادة أهل الشهوات «واللهُ يُريدُ ان يتوب عليكم ويُريدُ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً»، ليس ميلاً خفيفاً، فالقرآن يقول ميلاً عظيماً!! وعظيماً توكيد لقوة الميل نحو الشهوات التي هي إرادة أهل الباطل والضلالة.
إن رمضان الذي أحد اهدافه حرب الشهوات تتجلى معانيه كما قال أحد الشعراء..
أتي رمضان مزرعة العباد.. لتطهير القلوب من الفساد
فأدّ حقوقه قولاً وفعلاً.. وزادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها.. تأوه نادماً يوم الحصاد
ولعل أخطر فساد القلوب في رمضان، فساد العقيدة الذي يحبط العمل، فلا صلاة ولا زكاة ولا صدقة وصيام مع شرك بالله وكفر به وبدعة مضلة مخرجة من الملة، لذلك نقول ماذا يُريدُ الله منا، وكيف يكون رمضان شهر التغيير؟ أقول رمضان طمأنينة ويقين، وقوة تحمل وصبر وعودة إلى طريق الله اختياراً لا كرهاً.. ولذلك رمضان باختصار جمل قصيرة، هو استقبال بإيمان واحتساب.. صيام وقيام بإخلاص.. اتباع للسنة وتدبر للقرآن.. اغتنام لفرصة الوقت.. تقوى وإنابة وتوبة نصوح.. تهذيب للأخلاق والتخلص من سيئ العادات.. ذكر ودعاء لله تعالى بالحاح وثقة.. صلة للأرحام والإخوان.. عفو وتجاوز عن الأعداء.. مراقبة للسمع والبصر واللسان.. صون للنفس عن الشهوات والحرام.. اعتكاف في المسجد وصبر ومجاهدة.. شكرٌ لله تعالى وثناء، فهو رب رمضان.. وجودٌ وتصدق إحياءً لسنة سيد المرسلين، فهو خير من صام من عباد الله تعالى، كان كريماً جواداً في كل أحواله، وكان في رمضان عندما يأتيه أمين الوحي جبريل ـ عليه السلام ـ يدارسه القرآن.. والمدارسة أعظم وجوهها التدبر ـ كان عليه الصلاة والسلام عند تلك الحال يكون أجود من الريح المرسلة.. ورمضان يعني إنارة القلب قبل البيت والمسجد بالقرآن الذي جزاؤه عند الله تعالى غير محدود.. وهو فرصة العمر التي تقود إلى باب الريان في جنات الخلد والرضوان.. اللهم تقبل منا إنك أنت السميعُ العليم.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات